استخدام المخدرات- ادمان ام وقايه؟

مضار المخدرات أكثر من أن تعد وتحصى ، ومن الثابت علمياً ضررها المتعاظم على الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية وما تُخلفهُ من عوارض مؤلمة تؤدي في أغلب الأحيان بمتعاطيها إلى الموت المحقق .
فالإدمان على المخدرات ظاهرة تحدث في كل بقعة من بقاع هذا العالم المترامي الأطراف وتختلف طرق تعاطي هذه السموم باختلاف أنواعها وأشكالها ومسمياتها فيمكن أن تُستنشق عن طريق الفم وتُشرب وتُؤكل وتُدخن من خلال الفم ، إضافةً إلى استخدام طريقة الحقن العضلي التي برزت كواسطة مثالية وعامل أساسي في تناقل الأمراض وانتشار الأمراض الوبائية ويعد الإدمان في منطقة الشرق الأوسط مشكلةً صغيرة مقارنةً بالأماكن الأخرى في العالم ، ومع هذا فإن الإحصاءات التي تصدر من المؤسسات ذات العلاقة تشير إلى أن تعاطي المخدرات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باضطراد مستمر. وتُبين نتائج الإحصاءات الأخيرة أن حالات الإدمان في إيران تبلغ حوالي أربع مائة الف حالة تقريباً و خمس مائة الف حالة في االشرق الأوسط و المغرب العربي مقابلة بخمسة وعشرون مليون في أفريقيا و الصحراء الأفريقية و ستة مليون في جنوب أسيا و جنوب شرق أسيا. وكذلك تشير الإحصاءات إلى وجود أربعة مئة الف حاقن للمخدرات في العالم العربي و مئتي الف في ايران على حسب الإحصائيات التي جرت على يد مكتب المخدرات و الجرائم لللأُمم المتحده.
وهذه الإحصائيات تنقصها الدقة بطبيعة الحال لأنها لم تذكر سوى أعداد الحاقنين المسجلين ولكن الواقع يشير إلى أن الأعداد أكثر وتزداد ازدياداً مضطرد وقد تصل إلى المليون ونصف المليون متعاطي عن طريق الحقن .
فيما يخص الإدمان على المخدرات في ايران قُيم أنه كل واحد من عشرة رجال ما فوق سن الرشد يتعاطون الهروين و الأفيون في إدمانهم و ٣٠% من الحاقنين في البلد مصابين بفيروس مرض فقدان المناعة المكتسبة او ما يسمى بالأيدز. و نظراً لهذه الأرقام المريعة هناك إرتفاع نسسبي طبيعي في عدد الإناث المدمنات في المنطقة.
والعراق كان يعد بلداً نظيفاً من هذه السموم إلا أن التغيير الذي حصل في الوضع السياسي الذي نتج بعد حرب عام 2003 جعل من هذا البلد محطة ومركزاً يرتطم بموجات المروجين والمتعاطين للمخدرات التي تأتي من إيران وأفغانستان حيث أن شريحة المراهقين والشباب هم المستهدفين بالدرجة الأساس من الترويج لهذه المواد المحظورة .
والان سوف نتوجه الى الجانب المقلق في إدمان المخدرات عامة. النقاش حول واقع و عرض حقيقة المخدرات يكاد يكون مساوي للصفر أو ضئيلاً جداً في منطقة الشرق الأوسط لأنه موضوع محرم إجتماعياً أو تابو. هذا الصمت تسبب في إنعدام المعرفة بهذا الأمر و لا سيما علاقتهُ بإنتشار الأمراض التي سبق لي التطرق إليها في بداية المقاله. بالفعل ما تزال إنتقال عدوى فيروس الأيدز في الشرق الاوسط تتم عن طريق ممارسة الجنس الغير محمي (اي عند عدم إستخدام الرجال للكبوط الواقي) ولكن حقن المخدرات بالإبر والحقن أصبح عاملاً مهدداً يساهم بإنتشار الأيدز و فيرسه ولهذا نركز في موضوعنا هذا على حاقني الهروين للأنهم على حافة الخطر التامة و المباشرة لما يواجهونه من من خطر السقوط في الأمراض التي ذكرتها هذا إذا لم يكونوا قد أُصيبوا بها منذ زمن ما. ولابد أن لا ننسى عدوى مرض إلتهاب الكبد سي و كل هذه الأنواع من الأمراض هي خطرة و مضرة بالصحة لأنها تدهور حالة الإنسان بشكل واضح و نسبة الشفاء منها ضئيلة جداً ومجهدة أو غير محتملة بالمرة كما هو الحال مع الأيدز. في ليبيا و ايران على سبيل المثال حقن المخدرات هو من أكثر الطرق تسبباً في إنتقال عدوى وفيروس مرض الأيدز منذ التسعينيات و هكذا أصبحت العدوى مركزة بشكل أكبر في المنطقة الآن. و يرجع هذا الإزدياد في حالات المصابين لتقاسم الإِبر ما بين المدمنين و النسبة المؤية للذين يتقاسمون الحقن تتراوح ما بين ٤٠-٦٠% من المجموع الإجمالي لحاقني المخدرات. وينبغي علينا التنويه الى أن حالات المصابين بمرض الأيدز في الشرق الأوسط هي حوالي أربع مائة و ثمانين الف منها مئتان وعشرون الف حالة تعزى للإناث
نحن بحاجةٍ الى جهودٍ جبارةٍ لمعالجة ما قد أصبح في بعض بلدان العالم مثل أفريقيا والصين والهند الى وباء. وربما تتسأل عزيزي القارئ عن عدم علمك بواقع الوباء من قبل أو بحجم إنتشارهِ كمثل سماعنا عن الطاعون والجواب بسيط جداً الا وهو أن عدم سماعنا عن هذا الواقع المخيف لأنه محرمٌ محذور و وصمة عار وهاتين الكلمتين متلازمتين في أثرهما على إنتشار العدوات لأنهما عاد ة مرتبطتان بالجنس و المخدرات وبذلك المرض نفسه الأيدز و كل من الأجزاء المشمولة التي عددتها هي مشينة للسمعة و تعتبر فضيحة في مجتمعنا العربي. على الخلاف و في ايرن حيث يُحتضن الأمر بشكل إيجابي من الناحية الدينية و الشريعة الإسلامية التي تكَّون بقيمها القاعدة التي ينبثق منها دستور البلد. أصدر العلماء المسلمون فتوة منفتحة بإتجاه مساعدة المدمنين من خلال إدخال الحلول الواقية التي تحول من إنتشار العدوات التي ذكرت في المقال للحد من عواقبها الخطيرة و المدمرة التي تهدد حياة حاقني المخدرات عند تقاسمهم الإبر. لهذا السبب تم توفير خدمات صحية للمدمنين من أجل إستبدال الحقن المستخدمة بحقن نظيفة (معقمة) و يتم أيضاً إعطاء المدمنين جرع مخدرات ذات جودة عالية و مفيدة تسمى مثادون عكس المخدرات التي تباع من قبل المروجين التي تتسبب في تدهور حالة المدمن حيث أن الميثادون مادة خالصة تعين المرء على التعافي من تعاطي المخدرات. وهذا ما يحصل في روسيا منذ زمن الان و يتم التواصل بين الخدمات الصحية و المدمنين في الشارع وتوزَّع المعلومات و الإستشارة الوقائية عن مخاطر تقاسم الإبر وتعاطي المخدرات المغشوشة التي تؤدي الى دوامة تقود المدمن من السئ الى الأسوء
ربما يفجع البعض لفكرة إعانة المدمنين في الإدمان وتوفير الظروف الملائمة لهذه العادة المقيته. ولكن الفكر الإسلامي الذي يسند هذه الخطوة الوقائية يكمن في مدِ يد العون للمستضعفين الذين هم في عرضة للخطر وعلى حافة الضر و الضرر من مخاطر نقل العدوى لأزواجهم الذين يمارسون الجنس معهم بلا واق و هم في غفلةٍ عن الأمر و إظافتاً لذلك فأن هذه الرعاية تساعد في تسجيل الحالات المصابة لتفادي نقل الدم منها. إغفالنا المتعمد لهذه المشكلة وحجب أعيننا عنها لن يساعد في شيءٍ ما سوى إزدياد سوء الحالة وارتفاع عدد الضحايا الذين يقعون في فخ الإدمان لعدم توعيتهم عن الأضرار الوخيمة التي تلحق بهم اذا ما حُذروا. المُحرم أوالتابوا يبقينا جهلاء و وصمة العار ترعبنا من طلب العلاج والمساعدة والإعتراف بحالتنا للمجتمع وكلا هذين الظرفين لا يخدمان سوى مروجي المخدرات. النظام الأمني ليس بإستطاعته الحيز من النشاطات الجرائمية و مراقبتها و إيقافها كلها ولكن بإمكان نظامنا الصحي تقديم ما يلزم لتقليص الضرر والخوف من وصمة العارالملتصقة بالأيدز والأمراض المتناقلة جنسياً أو عن طريق الحقن للمخدرات
الدليل المتكلم عن نفسه نجده .في هولندا حيث تباع المخدرات في محلات خاصة بها تسمى بمحلات القهوة أو الكُفي شوبس تحت توجيه و عناية البائع. إذن فإن عملية التعاطي بأكملها تتم تحت رقابة الدولة وفي الوقت ذاته لا توجد تقارير تُبلغ عن مشاكل بالغة في تعاطي المخدرات في كلاً من الصعيد القانوني و الصحي عام ة. اما في روسيا و نشاطاتهم للتعريف عن عواقب التعاطي في المصحات للخدمات المقدمة للمتعاطين نرى تناقص في حالات تناقل فيروس الأيدز. الوقاية تكمن في المعرفة و الإختيار هو إختيارك فأنت المقرر الوحيد في أياً من الحالتين هي الأفضل. وصمة العار سوف تقل إذا هيئنا المعلومات الصحية عن الأيدز. هذه العدوى لا تنتشر عن طريق التنفس أوعند المصافحة كما قيل لي عندما سمعت عن الأيدز لأول مرة في حياتي
اذا درسنا الإسلام لوجدناهُ ديناً بلا محرمات عند ما يقتضي الأمر المساءل الإنسانية ولا يسمح بإساءة سمعة الأخرين لما يترتب عليه من إنزال الأحكام بحق الناس من حولنا و هذا مالا يجيزه الإسلام. وبهذا يكون الإسلام على أتم الإستعداد لمواجهة المشاكل الإجتماعية الضارة على الدوام بعينٍ منفتحةٍ وتسامحٍ لإنقاذ المجتمع من تحطيم نفسه على المدى البعيد. بالنسبة لي كيفية تجنب الوقوع في مخاطر الإدمان شيء سهل و عادي وكل الذي إحتجت معرفته للوقاية كان من مُدرستي التي حذرتنا من أخذ أي حبوب أو سجائر من سخص غريب يعرضها علينا. هذه النصيحة الصغيرة جداً بإمكانها أن تكون العلم القاطع من إدمانٍ سهل التجنب. ولهذا السبب نحن بحاجة للعلم و التعليم من قبل خدماتنا الصحية و بأبسط الأساليب مثلاً كإدخال التنوير عن المخدرات في منهجنا الدراسي و التعليمي و تكون خطوة بإتجاه موقف صحي من المسأله
للسبب نفسه تقوم المنظمات الصحية الغير حكومية ومنظمة الصحة العالمية السعي لدخول منطقة الشرق الأوسط ببرامج و مشاريع توفير خدمات التعاطي الوقائية كتبادل الحقن و توزيع المثادون و إعطاء الإستشارة و المعلومات الكافية شفوياً أو كتابياً كتدخل صغير لتنوير مستخدمي المخدرات. وبذلك تتأصل الوقاية في توفير علاج مراقب و إعانة المستضعفين عندما يكون التعافي قد فات أوانه أو بات صعباً
نعم الأيدز مرض ينتقل عن طريق الجنس ولكن هناك أمراضٌ أُخرى تنتقل بنفس الطريقة والأيدز ينتشر بطرق أُخرى مثل نقل الدم الغير مُراقب لأن المرض لا يمكن إكتشافه في مراحله الأوليه. الأيدز ممكن أن ينتشر عن طريق تقاسم الحقن في حالات الإدمان و كذللك بين اللا مدمنين عند إعطاءهم علاج عادي بحقن مستهلكة و هي حالات مؤسفة أيضاً
إبراهيم فرات سلام
المدقق اللغوي
ناصر حسين العوادي


